الثلاثاء، 6 يناير 2015

تجليات العاطفة والفكر في أصداء الغواية والبوح ــ قراءة الأديب مجدي شلبي في ديوان (كنت غاوي) للشاعر أ/ وليد الوصيف

 تجليات العاطفة والفكر في أصداء الغواية والبوح

قراءة في ديوان (كنت غاوي) للشاعر أ/ وليد الوصيف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم/ مجدي شلبي (*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة:

في بداية قراءتي هذه؛ أستعير قول الشاعر/ جمال قيراطة (بتصرف):

(أخي) من أينَ أَبدَأُ لستُ أدْري *** أيُنصفُ (شِعرك) المَشهودَ (بحثي)

وهل لي في (ديوانك) مِن بَيانٍ *** يُبَيِّنُ (ما يُرى وأردت تُخفي).

إن عالم الشعر تتناغم فيه العاطفة مع الفكر، لتكشف لنا أصداء تُحيي الوجدان وتثير التأمل، ومن خلال "أوتار البوح الشعري"؛ يأتي هذا الديوان معبرا عن أعمق المشاعر وأصدق الأفكار، حيث يتحرر الشاعر المبدع/ وليد الوصيف من قيود الصمت؛ ليبوح بما يختلج في قلبه من مشاعر الألم والأمل، الفرح والشجن، بقصائده التي تعكس التوترات الداخلية والتحديات الخارجية، التي تتناغم مع الواقع الملامس لأعماق الذات، بلغة تجمع بين البساطة والعمق، وتعتمد أساسا على الإيقاع الداخلي، والصور الشعرية أكثر من اعتمادها على الأوزان التقليدية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقارنة الجائرة بين العوالم الشعرية المختلفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن المقارنة ــ التي يعتمدها بعض النقاد ــ بين شعر العامية عموما أو قصيدة النثر على وجه الخصوص، وبين الشعر العمودي؛ هي مقارنة ظالمة، لكونها تغفل طبيعة كل نوع شعري وخصوصيته؛ فالشعر العمودي يقوم على الأوزان والقوافي، التي تُعد من ركائزه الأساسية، بينما قصيدة النثر؛ قد تأتي فيها القافية بشكل متقطع، لكونها تعتمد في الأساس على الموسيقى الداخلية، والصور الشعرية، واللغة المكثفة التي تعبر عن التجربة الإنسانية بأسلوب أكثر حرية، وقدرة على التعبير عن التجربة الإنسانية بأسلوب عصري.

ومن ثم يكون من الأجدر بهؤلاء النقاد أن يدركوا أن قصيدة النثر ــ في إطار خصائصها الذاتية ــ تنتمي إلى عوالم شعرية مختلفة، لها معاييرها الجمالية الخاصة، ومن ثم عليهم ــ ليتحقق نقدهم المنصف ــ أن يبرزوا جماليات النصوص بدلا من فرض قوالب تقليدية عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جماليات التصوير وتجليات الرموز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن المحسنات البديعية ــ في أي عمل أدبي ــ تعتبر من أهم الأساليب البلاغية، التي تُضفي عليه رونقا وبلاغة؛ تُزيد من أثره على المتلقي.

وإذا كانت بعض قصائد هذا الديوان قد اعتمدت المُباشرة؛ التي يراها البعض مقصودة ومُبررة؛ باعتبارها تحمل في طياتها قوة تأثيرية، إذ تلامس الواقع بشكل مباشر وتتناول التناقضات العاطفية والفكرية بوضوح لا يخلو من جاذبية؛ إلا أن البعض الآخر يرى ــ وهو محق في رؤيته ــ أن هذا الأسلوب قد يحد من قدرة النص على فتح أبواب التأويل، والتفاعل مع القارئ بشكل أوسع، ويجعل المعنى أقرب إلى السطح منه إلى الأعماق، وربما هذا ما تنبه إليه الشاعر وليد الوصيف؛ فراوح في قصائد ديوانه "كنت غاوي" بين هذا وذاك، محققا بالفعل توازنا بين المباشرة والتجريد في جل قصائده؛ التي جاءت كل قصيدة منها على نحو يعكس إحدى التجارب الإنسانية، التي أوضحت بجلاء براعة الشاعر في التعبير عن قضايا عاطفية واجتماعية مختلفة، بأسلوب سهل ممتنع وممتع معا، والشاهد على هذا هو ما أتحفنا به من جماليات الصور الشعرية وتجليات الدلالات الرمزية، وأسوق هنا بعض الشواهد الموضحة لهذا الأمر، والدالة عليه؛ من واقع بعض قصائد الديوان:

ــ ففي (الصفحة رقم 5) من قصيدة "بتحضني"؛ يقول: "إيد تدواي جراح/ وإيد تكتب بِدَم .. نص الحقيقه/ جايّه بكسوفها"؛ هنا تصوير فني لفكرة الندم والحب المفقود.

ــ وفي (الصفحة رقم 7) من قصيدة "مجرد كلام"؛ توجد عديد من الصور المبتكرة والقوية، المعبرة عن روح التحدي والكرامة بطريقة فنية مبدعة؛ ومنها: "الشمس اللي فاتحه النور جوّه روحنا"، وفي (الصفحة رقم 9) من نفس القصيدة ؛ يقول: "غطتها الشمس في ظل البراح"، و"صوت الجرس لن ينخرس"؛ هنا تعبير عن الوحدة الوطنية والمقاومة، مما يمنحها بعدا إنسانيا.

ــ وفي (الصفحة رقم 12) من قصيدة "ياكل كلي"؛ يقول: "رموشك سنابل خير"، وفي (الصفحة رقم 13) من ذات القصيدة: "الحروف متشكلة دهب وماس"؛ هنا صور تجمع بين الجمال البصري والمعنوي، وهذه القصيدة تتضمن عديد من الصور البديعة الأخرى.

ــ وفي (الصفحة رقم 15) من قصيدة "سكني الوجع"؛ يقول: "سَن السكين وكبَّر/ سَبَقت أنا وصليت/ شافني الوجع ساجد/ كسَّر حيطان البيت"؛ هنا صور حسية قوية تعكس قسوة الألم، والثنائية بين المقاومة والخضوع، والقصيدة تبني حوارا داخليا بين الوجع كقوة قاهرة، والشاعر كإنسان يقاوم ويتحدى، والجمال يظهر في تصوير المعاناة كشيء يمكن تطويعه وتحويله إلى وسيلة للتحرر؛ مما يضفي طابعًا فلسفيا على القصيدة، التي تحمل أيضا رسالة إنسانية واضحة تدعو للتشبث بالقيم في مواجهة الألم، والإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز المحن؛ ففي (الصفحة رقم 16) من نفس القصيدة؛ يقول: " داء الوجع مُش خفي/ ركعه وسجدتين/ كُل الألآم تختفي/ نور الفجر يجلي/ القلوب م الصدا/ مع آيه واستغفار/ تسبح في بحر الرضا/ وتشوف النهار جِوّاك"، هنا دعوة للرضا والتصالح مع الذات واللجوء إلى الله كوسيلة للشفاء.

ــ وفي (الصفحة رقم 21) من قصيدة "في شرع مين"؛ يقول: "الوقت أضيق من قصيده/ والدنيا أضيق/ من رحم شايل جنين"؛ هنا يمنح النص بعدا شعريا يعبر عن ضيق الزمن وقصر الحياة، وتتناول القصيدة قضايا العدالة والإنسانية، حيث يرفض الشاعر الانتقام أو إيذاء الآخرين رغم المعاناة، ومن ثم فهو يدعو للتسامح والسلام الداخلي، وهي دعوة تتوافق مع قول الإمام الشافعي:

وَعاشِر بِمَعروفٍ وَسامِح مَنِ اِعتَدى *** وَدافِع وَلَكِن بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ.

ــ وفي (الصفحة رقم 24) من قصيدة "بيّاع النكتة اتغم"؛ يقول: "بيّاع الفُل اتوفّى/ وبيّاع النُّكته اتغم/ وسواد الناس في وشوشهم/ بيأكد حرق الدم"؛ هنا القصيدة تعبر عن تناقض الحياة اليومية، حيث تمتزج الفكاهة بالحزن، مما يخلق تأثيرا عاطفيا قويًا، والنكتة هنا كرمز للأمل والمقاومة في وجه القهر، وغيابها يعكس حالة اليأس، وعنوان القصيدة "بيّاع النكتة اتغم" يرمز للإنسان الذي يصيبه الحزن والغم لقاء إسعاده للآخرين!، ويبدو أن هذا هو حال كل من يقدم الخير لأهل الشر؛ يقول الشاعر/ جبران خليل جبران:

الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا *** والشرُّ في الناس لا يفنى وإِن قبروا.

ــ وفي (الصفحة رقم 27) من قصيدة "متروغيش"؛ يقول: "ما وحشتكيش؟/ لأ بجد أنا بسألك .. ما وحشتكيش؟"؛ هنا يؤكد التكرار على الإلحاح العاطفي وعمق الشعور بالخذلان في الحب، بأسلوب يدمج البوح المباشر مع الصور الشعرية، ثم يقول: "ليه تساوي ما بين اللي خانِك/ واللي عاشلك طول حياته بشَّاويش/ جُندي واقف في الميدان/ جُندي متجنِّد في جيش"، هنا الصور القوية تجسد التضحية المتكررة للحبيب في سبيل الدفاع عن الحبيبة (مصر)، مما يعكس رمزية الولاء المطلق في الحب، وقوله: "يكوَّر جسمه .. يتعملك طوق نجاه/ ومَيّت ألف مره مات .. عشان حلمِك يعيش" يأتي كرمز للأمان الذي يقدمه المحب لتحقيق حلم حبيبته، مهما كلفه هذا من تضحية وفداء.

ــ وفي (الصفحة رقم 39) من قصيدة "منعوا الألوان"؛ يقول: " العايش ميت/ والميت عاش/ حرمونا كمان/ نِعَم النسيان/ فيها أبيض وأسود/ منعوا الألوان"؛ هنا: "الأبيض والأسود" يرمزان إلى الموت والحزن، بينما "منع الألوان" يشير إلى قمع الأمل والحرية، وفي (الصفحة رقم 40) من ذات القصيدة؛ يقول: "الفأس في الرأس"، وهو يرمز للألم المستمر والضغوط الحياتية، مما يعزز الإيقاع ويؤكد الفكرة المركزية، التي تتحدث عن عبثية الواقع، وقسوة الحياة وسلبها لأبسط الحقوق.

ــ وفي (الصفحة رقم 43:42) من قصيدة "في شرع اللي طبِّل"، (الطبلة) هنا ترمز إلى التملق والنفاق؛ يقول الشاعر: "الطبلَه مزاج/ في حل المشاكل/ سحر وعلاج"، "في شرع اللي طبِّل/ تغور المبادئ"، وهو تصوير للفساد والنفاق في المجتمع، بأسلوب يجمع بين السخرية والرمزية؛ على نحو قول الشاعر/ ابن الرومي:

ملَكَ النفاقُ طباعَه فتَثَعْلَبا *** وأبى السماحةَ لؤمُهُ فاستكلبا.

ــ وفي (الصفحة رقم 46) من قصيدة "كالعاده"؛ يقول: "في حضور الناي الحزين/ أو ريشة حضنه وتر بيدق صبا"؛ هنا تعبير عن الحزن العميق الذي يرافقه، وتتناول الكلمات التعبير عن الألم الذي يرافق الشاعر في لحظات الوحدة والتأمل في أحوال البشر، مستلهما من (الناي) تلك اللحظات التأملية، التي تثيرها موسيقاه الحزينة؛ يقول الشاعر/ أحمد شوقي:

سألوا أمينا كيف يبكى الناى في *** يده ويستبكى الملا بشجونه

فأجاب خِلى لا عدمت وداده *** أبكى على عينى بكل عيونه.

ــ وفي (الصفحة رقم 49) من قصيدة "الوطن"؛ يقول: "الوطن مش سهرة حلوة ع الكورنيش/ ولا فيلم تافه معري الأفيش"؛ هنا يصبح الوطن رمزا للمعنى العميق الذي يتجاوز المظاهر السطحية؛ يقول الشاعر/ عبدالله البردوني:

وطني أنت ملهمي *** هزج المغرم الظمي

أنت نجوى خواطري *** والغنا الحلو في فمي

ومعانيك شعلةٌ *** في عروقي وفي دمي.

ومع العودة إلى هذا الديوان، الذي عرضت جماليات التصوير وتجليات الرموز في بعض قصائده؛ أود التأكيد على حقيقة أن هذه القصائد البديعة تعتمد على الإيقاع الداخلي الذي يتولد من التكرار، التوازن الصوتي، والقافية الحرة ــ دون الالتزام بالوزن التقليدي للشعر العمودي ــ ومن ثم تأتي الموسيقى من التناغم بين الكلمات والصور، على نحو ما يتطلبه الشعر الغنائي.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الموسيقى الشعرية والشعر الغنائي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحيث أن الشعر الغنائي يتميز بطابعه الموسيقي والإيقاعي، مع تركيزه على العاطفة والصور الحسية، فإن هذا الديوان "كنت غاوي" للشاعر وليد الوصيف؛ يتضمن عددا من النماذج التي توصف بالغنائية، وهنا أستشهد بواحدة منها، وهي قصيدة: "يا كل كلّي"، حيث يظهر فيها الطابع الغنائي بوضوح من خلال العناصر الثلاثة التالية:

أولا: التكرار والإيقاع الداخلي؛ كما ورد في: "يا كل كلّي .. يا نبض قلبي"؛ مما خلق نغمة موسيقية تتناسب مع الغناء.

ثانيا: العاطفة العميقة؛ كاستخدام تعابير مثل: "يا نور حياتي وسر فرحي" و"لقلب مات من كام سنه"؛ وهو مايعكس انفعالات وجدانية تتماشى مع الشعر الغنائي.

ثالثا: التشبيه والصور الحسية؛ مثل: "خدك ورد فتح، رموشك سنابل خير"؛ فهي صور حسية تلامس العاطفة.

هذه السمات الثلاث؛ تجعل القصيدة نموذجا مثاليا للشعر الغنائي في الديوان.

وهنا أرى ضرورة استثمار كنوز الشعر الغنائي التي يبدعها الشعراء الجدد، والتي تظل حبيسة دواوينهم في انتظار أن تشرق عليها أنوار الحياة، ومن هنا تأتي الحاجة إلى السعي لإطلاع الفرق الموسيقية على القصائد المناسبة منها، وتلحينها وتقديمها من خلال أصوات المواهب الغنائية الشابة، لتكون بديلا إبداعيا جديدا ــ أو مكملا ــ لما دأبت عليه تلك الفرق من تقديم أغنيات قديمة معروفة ومعتادة وشهيرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

علاقة العنوان بمضمون الديوان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل البحث في العلاقة بين عنوان الديوان "كنت غاوي" بمضمونه ومحتواه؛ يجب أن أشير أولا إلى أن هذا العنوان العام هو عنوان إحدى القصائد التي اتخذها الشاعر عنوانا للديوان كله، وهو ما يدفعني الآن لقراءة في هذه القصيدة الرئيسية؛ لنخلص من خلال تلك القراءة إلى تحديد مدى توافقها مع الروح العامة للديوان.

ــ قراءة في قصيدة "كنت غاوي"

تعبر قصيدة "كنت غاوي" عن الشاعر كشخص كان غارقًا في متع الحياة البسيطة، مثلما جاء في (الصفحة رقم 73): "شرب الشيشه ع القهاوي/ والقاعده ويا الفلاحين/ ونظم الشعر من الحكاوي"، وهنا يستدعي الشاعر لحظات بسيطة تحمل طابع الغواية البريئة التي كانت تمنحه الإحساس بالانتماء، لكنه مع مرور الوقت، بدأ يشعر بثقل الواقع الذي سحب منه هذا الشغف: "الأخبار شداني جدًا/ الفيديوهات من دم سايل/ البطش عالي وزاد وطيسه/ بالمدافع والرسايل/ وفضلت أحايل/ نَفسي أرجع للقهاوي"؛ هذا المقطع يمثل التحول، حيث تصدمه قسوة الواقع، وتنتزع منه تلك الغواية البسيطة، التي يتمنى الرجوع إليها.

ومن هنا يلخص عنوان القصيدة روح الديوان؛ حيث يُظهر كيف تحولت الغوايات البسيطة إلى وعي أعمق بالحياة والإنسانية، ويجسد رحلة الشاعر بين الماضي والحاضر، بين الشغف الذي كان يملأ قلبه، والمشاهد التي أعادت تشكيل رؤيته للحياة؛ من هنا نلاحظ أن القصيدة الرئيسية، التي حمل الديوان عنوانها؛ تسلط الضوء على الفكرة الأساسية التي تجعلها مفتاحا لفهم بنية الديوان ومضمونه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"كنت غاوي": بين محدودية الذات والهوية الإنسانية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رغم أن بعض القصائد تركز على الذاتية، وتحمل طابعا شخصيا بحتا، إلا أنها تفتح الباب واسعا للتواصل مع فئات واسعة من القراء، الذين يشعرون بارتباطهم مع التجربة الذاتية للشاعر، وكأنه يعبر عن شعورهم أيضا، أي أنه شعور مشترك يصدق فيه قول الشاعر/ د. وائل جحا:

بعضُ المشاعرِ تأبى أن تغادرنا *** كأنَّما زُرِعـت في القلبِ شريانا

نبكي ونضحكُ من حزنٍ ومن فرحٍ *** وتسـتمرُّ بذاكَ الحالِ دنيانا.

واتساقا مع هذه الرؤية؛ يمكننا أن نقرأ العنوان (كنت غاوي): أنت وأنا وهم، وليس الشاعر وحده، وبهذا تتجاوز رؤيتنا محدودية الذات؛ إلى التعبير عن الهوية الإنسانية بآلامها وآمالها، بواقعها وطموحاتها، وهو ما يجعل قصائد هذا الديوان أكثر عمقا وأقوى تأثيرا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخيط الذي يجمع قصائد الديوان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد ثبت يقينا أن هذا الديوان يحمل عمقا شعريا وإبداعا فنيا؛ معبرا عن معاناة وتجارب إنسانية غنية، ويتضمن أفكارا فلسفية وتأملات وجدانية، من خلال عديد من الموضوعات؛ منها: الوجع، الحب، التضحية، الوطن، العمل، البحث عن الهوية، النقد الاجتماعي، التأمل في الحياة والموت، معاناة الذات ومقاومتها، الدعوة للتصالح مع الحياة رغم قسوتها، الصمود والأمل...، ورغم هذا التنوع في الموضوعات؛ كان هناك خيط يجمع كل هذه القصائد، يتمثل في الرغبة في التوحد مع شيء أكبر من الذات، سواء كان حبا أو تجربة أو فكرة، مع الاحتفاظ بشعور العجز أمام هذه الرغبات، مما يعكس حالة (الشاعر) ــ أو الإنسان عموما ــ التي وصفها العنوان (كنت غاوي) فعبر بها عن سعيه وراء تحقيق مراده الذي كان، رغم ما يعترضه مما هو كائن من أفعال محبطة عاطفيا واجتماعيا وإنسانيا، وهكذا تلتقي جميع القصائد في عالم من التساؤل والشكوك والرغبة في التغيير، وتنغمس في أفكار قد تكون ضد المألوف، أو في نقد للواقع الاجتماعي والوجداني؛ بأسلوب فني يرتكز على التعبير عن هذه الأحاسيس، ويدعونا للتأمل في مرآة المجتمع، وفي أنفسنا وفيمن حولنا، وهو تأمل مهما طالت مدته؛ فهو يمر سريعا (ككل غواية كانت)؛ يقول الشاعر/ ابن شهيد:

تَأَمَّلتُ ما أَفنيت مِن طُول مُدَتي *** فلم أَرَهُ إِلا كلمحةِ ناظِرِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صورة الغلاف وعلاقتها بالمتن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الواضح أن صورة الغلاف؛ تتوافق مع وصف الشاعر/ محمد العيد آل خليفة (بتصرف):

صورة فذة (...) *** تتجلى مظاهر الشعر فيها

تأمل تجد شعورا عميقا *** وحجى راجحا وفكرا نبيها.

فقد عكست ــ صورة الغلاف ــ بذكاء؛ الروح العامة للديوان من خلال التفاعل بين الظل والضوء، والرمزية التي تحتويها العناصر البصرية؛ فالشخص الجالس في الضوء يرمز إلى لحظة التأمل والانفصال عن الحشود، وهو ما يعكس رحلة الشاعر الذاتية التي تتجلى في العديد من القصائد، مثل قصيدة "كنت غاوي" التي تصور تحولًا من غواية الماضي إلى وعي أكثر نضجًا بالحاضر.

أما الحشود المرسومة بالظلال؛ فتوحي بالعلاقات الاجتماعية والضغوط، وربما بالفجوة بين الفرد والمجتمع، وهذا يتماشى مع موضوعات الديوان التي تناقش الاغتراب الفردي في سياق الواقع المعاصر.

وتكتمل العناصر البصرية الموضحة لتلك العلاقة بين صورة الغلاف والمتن؛ بالألوان الداكنة والخلفية الرمادية، التي تعكس مزاجا تأمليا وحزينا؛ مما يتناغم مع العديد من القصائد، التي تعبر عن صدمة الواقع وقسوة التجربة الحياتية، أما استخدام اللون الأحمر والأصفر في كتابة العنوان؛ فيبرز الغواية والحيوية التي كانت في الماضي، في مقابل الخلفية الرمادية التي تعكس صراع الحاضر.

وهكذا تأتي العناصر البصرية معبرة بدقة عن التوترات الداخلية، التي يستعرضها الشاعر في قصائد ديوانه، على نحو ما أشرت وأوضحت وبينت، ولكوني بديت مفاخرا بهذا الديوان "كنت غاوي"؛ فاسمحوا لي ــ في نهاية قراءتي ــ أن أستعير؛ قول الشاعر/ الفرزدق:

لَقَد بانَ لِلغاوي مَفاخِرُ أَصبَحَت *** عَلى الناسِ مِنّي كَالنَهارِ مُبينُها.

ـــــــــــــــــــــــــ

كلمة ختامية

ـــــــــــــــــــــــــ

لقد أبدع الشاعر/ وليد الوصيف في صياغة قصائد تنبض بالحياة، وتتغلغل في أعماق الواقع الاجتماعي والذات الإنسانية، متأملا التساؤلات الوجودية وتعقيدات الحياة بتناقضاتها الحادة، بين الأمل واليأس، الصدق والزيف، الحب والخذلان؛ بأسلوب شعري متفرد، ولغة ثرية تنبض بالمشاعر، راسما عالما يتأرجح بين الحيرة والتوق إلى التغيير، مما يتيح للقارئ نافذة للتواصل العاطفي العميق مع كل قصيدة.

وهو ما شجعني على التجول في بستان هذا الديوان؛ لأستمتع بعبق كلماته وأريج معانيه، وذلك من خلال هذه الرحلة القرائية السريعة، التي أختتمها مستلهما عنوان الديوان ذاته "كنت غاوي" للتعبير عن هذه الرحلة التي (كنت أود استمرارها)، و(أرغب في مزيد من الاستمتاع الأدبي بها)؛ ولكن "للصمت بعد (البوح) وقاره"، وهو الوقار الذي قال فيه الشاعر/ محمود سامي البارودي:

أَلا إِنَّ أَخْلاقَ الرِّجَالِ وَإِنْ نَمَتْ *** فَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا تَفُوقُ عَلَى الْكُلِّ

وَقَارٌ بِلا كِبْرٍ وَصَفْحٌ بِلا أَذَىً *** وَجُودٌ بِلا مَنٍّ وَحِلْمٌ بِلا ذُلِّ.

شكرا جزيلا لشاعرنا المبدع أ/ وليد الوصيف على إهدائه لي ديوانه الرائع، متمنيا له دوام التألق والتميز في مسيرته الإبداعية؛ شاعرا مبدعا، وإعلاميا واعيا، وإنسانا نبيلا كريما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر

ـــ نُشرت في مجلة أوتار البوح بتاريخ 15 يناير 2025