الأحد، 23 مارس 2014

انهيار ثقافة الاعتذار: من جلاء التأسف إلى لغو التفلسف! ـ بقلم: مجدي شلبي


انهيار ثقافة الاعتذار: من جلاء التأسف إلى لغو التفلسف!
بقلم/ مجدي شلبي (*)
       سوف نلج متن هذا المقال؛ من باب التطرق لدلالة كل مفردة من مفردات عنوانه:
انهيار: تدهور، سقوط، انحلال... ومن عبقرية لغتنا العربية أن يكون مصدر كلمة انهيار: (هور)، ومنه يأتي الفعل (تهور):
تهور البناء: انهدم، سقط، هوى ـ تهور على جاره: اعتدى عليه في طيش ونزق؛ فمن ثم يصبح (الانهيار) و(التهور): وجهان لعملة واحدة.
       وفي مضمار العلاقات الإنسانية؛ يوصف (الود الصادق) بالبناء، فحين يؤسس على الوفاء، بعيدا عن المماذقة (الود غير الخالص)، أو المكابرة والاستعلاء؛ يستعصي على الانهيار و(الهدم)؛ يقول الشاعر جبران خليل جبران:
وفي إذا ما انهار ود مماذق *** فما للذي يبني من الود هادم
       ولا يمكن أن يوصف الحرص على الود الصادق بالضعف، كما لا توصف المبادرة إلى الاعتذار ـ عند الخطأ ـ بالتهور؛ يقول الشاعر ابن الرومي:
ولا تهورَ فيه عند ملتزم *** ولا تهيّبَ فيه عند إحجام
       وهنا تجدر الإشارة إلى أن الالتزام بتلك القيمة، وذلك التوجه نحو طريقة التعامل المثلى؛ يُعبر عن مستوى ثقافة الإنسان؛ فليست الثقافة مجرد إلمام بالعلوم والآداب والفنون فقط، يقول جواهر لال نهرو: "الثقافة هي اتحاد العقل مع الروح".
       ومن ثم يجب أن يكون الدين؛ هو الحجر الأساس في ذلك البناء الثقافي، فهو الذي يثقَّف الأخلاق: يصلح السلوك والآداب، ويحثنا على حسن التعامل... فمن امتلك تلك الثقافة؛ صار حاذقًا فَطِنًا لفنونها، ممتلكا ثقة تزيل عنه الأوهام والشكوك والمخاوف، وتبعث في نفسه الأمل؛ يقول الشاعر جبران خليل جبران:
فنون ثقافة رعيت وصينت *** فزال الريب وانتعش الرجاء
ويقول الشاعر الشريف الرضي:
اخ ثقف المجد أخلاقه *** وَأشْعَرَ أيّامَهُ بالعُلَى
ويوصي الشاعر أحمد محرم بالثقافة كسبيل لنهضة الأمم والشعوب:
ألا ثقفوا الشعب الذي نام جده *** فما ملك الدنيا كشعبٍ مثقف
ويدعو الشاعر ابن الرومي كل من أراد التعلم (التثقف) إلى الصبر وتحمل شدة معلمة:
وهو المثقِّفُ فاصطبر لِثقافِهِ *** ولحَدِّ مِبْرِدِهِ لكي تحظى غدا
       هكذا ـ في عجالة ـ تناولنا مفردتي: (انهيار) و(ثقافة)؛ فماذا عن (الاعتذار)؟:
اعتذار: تأسف، تألم، ندم، توبة... وضدها: استكبار، تجبر، عتو...
(تكرم بمطالعة مقالي السابق: المفاهيم المكررة في: الكبرياء ـ الكبر ـ المكابرة على الرابط التالي:
       المدهش أننا جميعا نرفض الصفات الذميمة ونتبرأ منها، ونعشق الصفات الحميدة ونسعى للتحلي بها؛ إلا أن ثقافة البعض ما زالت تفرق بين (التوبة) و(الاعتذار) فتعتبر الأولى: قوة إيمان، أما الأخرى: فتعتبره ضعف شخصية، مع أن من يملك شجاعة الاعتذار والتوبة والندم والتأسف؛ هو الشريف في تواضعه، المهاب في حيائه؛ يقول الشاعر ابن نباتة المصري:
شرفٌ في تواضعٍ ونوالٌ *** في اعتذار وهيبة في حياء
       فإذا ما كان التمسك بالدين يعبر عن سمو خلق، والتزام بالقيم والمبادئ؛ فإن من يعرف قيمة التوبة إلى الله، لا ينبغي له أن يستكبر عن الاعتذار إلى عبادة؛ فالاعتراف بالخطأ هو أول الطريق لإصلاح النفس وتهذيبها، وعلاجها من آفة الغرور والتكبر والتجبر.
       فإذا ما جاء (الاعتذار)؛ كان من الشرف (العفو)؛ يقول الشاعر الخُبز أَرزي:
والعفو بعد اقتدارٍ فِعلُه شَرَفٌ *** والهجر بعد اعتذارٍ فِعلُه سَرَفُ
ويقول الشاعر الشريف الرضي:
إنْ كنتَ بالعفوِ ليس تعذرنا *** فلا اعتذارٌ مِنّا إلى أحَدِ
ويقول الشاعر جبران خليل جبران:
فليكن من تمام جودك عذري *** فقبول الأعذار شأن الجواد
ويقول الشاعر أبوالعلاء المعري:
فاغفِرْ ذُنوباً لتُجزى بعدَ مغفِرَةٍ؛ *** واعذِرْ لتُصبحَ بينَ النّاسِ مَعْذورا
فيطمئنه الشاعر البحتري ببشارة:
أفَادَ مُحسِنُكُم، وقالَ لمُخطئ: *** لا لَوْمَ في خَطَإٍ، وَلاَ تَثْرِيبَا
       هذه المبالغة في العفو حد الإحسان؛ يقول فيها أبو قلابة الجرمي: "اذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه؛ فالتمس له عذراً جهدك، فإن لم تجد له عذراً؛ فقل لعل لأخي عذراً لا أعلمه".
ويقول الشاعر ابن عبد ربه:
عَذيرِيَ مِنْ طُولِ البُكا لوعَة ُ لأَسى *** ولَيْسَ لِمَنْ لا يَقْبَلُ العُذْرَ مِنْ عُذْرِ
خصوصا إذا كان (عذر لأمين)؛ يقول الشاعر أحمد محرم:
له عذر الأمين فإن رضيتم *** فخير الناس من عذر الأمينا
       غير أن (اللئيم) الذي يخطئ ثم يعتذر اعتذارا (تكتيكيا)، وفي نيته الإصرار على الضلال؛ فيقول فيه:
من ضل فيه فماله من عاذر *** والمرء يخبط في الظلام فيعذر
ويكمل الشاعر محيي الدين بن عربي:
يجيءُ بأعذارٍ ليقبلَ عذرهُ *** وليسَ لهُ يومَ القيامة ِ منْ عذرِ
       فالذي تعذر عليه الاعتذار والتأسف؛ تجده يسوق الأعذار الواهية والحجج الباطلة من باب التفلسف؛ يقول المفكر ابراهيم الفقي: "العاقل إذا أخطأ؛ تأسف، والأحمق إذا أخطأ؛ تفلسف".
ـ فعن العاقل الذي إذا أخطأ تأسف؛ يقول الشاعر جبران خليل جبران:
ثبت على الرأي الصحيح فإن يقع *** خطأ تجده الراجع التوابا
ـ أما الأحمق فتجده يتفلسف، مدعيا الحكمة، متكلفا نهج الفلاسفة، باذلا جهدا كبيرا في محاولة تبرير فلتاته، وعلى لسانه يقول الشاعر السري الرفاء:
و قفتُ بين يَديَ نَجواه من حُمُقٍ *** أَصُبُّ في أُذُنَيه الزُّورَ والكَذِبا
ويصف الشاعر الشريف الرضي هؤلاء الحمقى بقوله:  
ضَرَبُوا في جَوَانبِ الطّوْد فانظُرْ *** حمق العاجزين كيف أحاكا
ويكمل الشاعر أبو الفضل بن الأحنف:
وقَدْ صَبَرتُ على قَومٍ مُنيتُ بِهم *** وما تَكَلّمتُ إلا بعد إعذارِ
فيا أيها الحائر بين (جلاء المتأسف) و(لغو المتفلسف):
اخْتَرْ لِنَفْسِكَ من تعا *** دي كاخْتيارِكَ مَنْ تُصادِقْ (الشاعر ابن رشيق القيرواني الأزدي)
ـ فالخيار الأول يقول فيه الشاعر ابن الخياط:
خيارٌ حينَ تنسبُهُ خِيارُ *** لريحانِ السرورِ به اخضرارُ
ويقول الشاعر جبران خليل جبران:
شارفت منها جلاء نفسك عن *** منجم تبر يفيض بالتبر
وعن نتيجة هذا الاختيار الحسن؛ يقول علي بن أبي طالب:
واختَرْ قَرِيْنَك واصْطَفِيهِ مُفَاخِرا *** إِنّ القَرِيْنَ إلى المقْارَنِ يُنْسَبُ
ـ أما الخيار الآخر فينصحنا الشاعر أحمد محرم بإهماله والابتعاد عنه؛ فيقول (بتصرف):
دع (التفلسف) لا تحفل به *** لغو الحديث أحق بالإهمال
إن يخطبوا باسم الإخاء ويكتبوا *** فالقول لغو والكتاب مزور
       فإذا ما ساد التفلسف، ونأت (ثقافة الاعتذار)عن المخطئين؛ أستعير بيت شعر للشاعر كثير عزة انتزاعا من قصيدة (ألا حَيِّيَا لَيْلى أجَدَّ رَحيلي):
وقالوا: نأتْ فاخترْ من الصَّبر والبُكا *** فقلتُ البُكا أشفى إذاً لغليلي!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) عضو نقابة اتحاد كتاب مصر
https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2020/06/09/524647.html