الجمعة، 23 يونيو 2017

قوانين الجنس الأدبي في (دموع وشموع) بقلم د.أمين الطويل (*):

قوانين الجنس الأدبي في (دموع وشموع)
بقلم د.أمين الطويل (*):
إن الومضة القصصية لدى الأديب مجدى شلبى نوع مفتوح يرتحق من الأجناس و الأنواع الكبرى و الصغرى، العالمة و الشعبية يتمثلها و يهضمها و يصيرها شيئاً جديداً، و كأنه الفاكهة التي تختزل الشجرة أو الصغير جدا الذي يختزل الكبير، محافظة على المقومات الجوهرية المتفاعلة: التكثيف و المفارقة و الإدهاش و الإيحاء و الخاتمة المباغتة. القصة فيها تدق و يصيبها التشذيب و التكثيف و الحذف, حتى تتحول إلى طيف أو ظلال تطل من وراء ستار البياض و الصمت و التلميح الشفاف. و كأنها تسرع في الذهاب رأسا إلى اللحظة الدرامية و انغراز سهم الحدث في تفاحة النص. ومن هنا المفارقة و القفلة المفاجئة الوامضة الموجعة الضاربة في الأغوار. فتتحول إلى الجزء الحاضر الدال على الكل الغائب، و الحدث الدال على السيناريو ككل... و قد حافظ الأديب على القوانين الأساسية (قوانين التجيس الأدبي):
1- قانون الماثلة:
تتفق النصوص المدرجة في هذه المجموعة (دموع وشموع) في مجموعة من الخصائص، مثل: التكثيف، والاقتضاب، و القصصية، و فعلية الجملة، و تراكب الجمل، و التنكير، و الحذف، و الإضمار، و انتقاء الأوصاف، و إرباك المتلقي، و طرح الأسئلة الكبيرة على الرغم من الحجم القصير جداً... ففى ومضة:
ـ (فداء: أصيبت الحمامة؛ منحها الليث قلبه.)
تتواتر العناصر آنفة الذكر, و تطرح الأسئلة الكبيرة عن ماهية و حقيقة تلك الحمامة حقيقة أو مجازا, ليقع القارئ فى شرك التأويل و الأسئلة الفاغرة الفم.
2ـ قانون التواتر:
الاستقراء و الاستنباط و التحليل و التراكم و رصد العناصر المتكررة فى النصوص الأدبية معالم بارزة لا تخطئها العين الناقدة فى قراءتها للمجموعة فقضايا الحرية و العدالة و الاستلاب و الازدواجية ....إلخ تتواتر بشكل لافت فى المجموعة, على سبيل المثال لا الحصر:
ـ (قهر: التزم الصمت؛ اعتبروه رضا.)
ـ (كاتب: حرر أفكاره؛ سجنته.)
ـ (حصانة: حاولوا إيلامه؛ حماه الموت.)
إنها حقيقة الإنسان المقهور و المنسحق تحت أقدام من يملكون قراره و حريته و خلاصه, و لا يتبقى من رصيده ملاذا آمنا يلتحف به بعيدا عن أعين ظالميه.
قانون الأهمية:
ثمة عناصر كبرى ذات أهمية كبرى تنتظم نصوص المجموعة و تتضمن أيضا عناصر ثانوية و فرعية تستخدم للكشف و الإضاءة و تبئير بعض المناطق لدى القارئ أو الناقد, من العناصر المهمة التي تبدو جلية فى المجموعة قصر الحجم جداً، و الإضمار، و التكثيف، و الانتقاء، و التراكب، و التتابع، و التنكير، و التسريع، و المفاجأة، و السخرية، و الاقتضاب، و المفارقة، و القصصية، و الإدهاش ...فمن مفاجأته ومضة:
ـ (تلوث: أعدوا الطعام ليأكلوه؛ أكلهم.)
4ـ قانون القيمة المهيمنة:
و لومضات مجدى شلبى وظائف انفعالية و شعرية جمالية كما بومضة: 
ـ (الحياة: قبل أن يكمل دوره؛ أسدل الستار عليه.)
حتما لابد أن ينفعل القارئ و الناقد على السواء فى تخيل تلك الصورة الدرامية لحالة ذلك الرجل.
عناصر ذلك الجنس الأدبى متحققة و قارة فى نصوص المجموعة و لن يعدم القارئ أو الناقد أن يستشعر حرص الأديب على امتلاك الأدوات و التجويد المستمر وصولا لشكل متمايز و لغة متباينة و منطقة مخصوصة, من العناصر التجنيسية الثابتة لديه مثل:
الحكائية، و الحجم القصير جدا، و الإضمار، و الحذف، و الانتقاء، و التسريع، و المفارقة، و السخرية، و الجرأة، و الصورة الومضة، و التراكب، و التتابع، و التنكير في وسم الشخصيات...
5- قانون الثبات:
عناصر ذلك الجنس الأدبى متحققة وقارة فى نصوص المجموعة ولن يعدم القارئ أو الناقد أن يستشعر حرص الأديب على امتلاك الأدوات والتجويد المستمر وصولا لشكل متمايز و لغة متباينة و منطقة مخصوصة, من العناصر التجنيسية الثابتة لديه: مثل: الحكائية، و الحجم القصير جدا، و الإضمار، و الحذف، والانتقاء، و التسريع، و المفارقة، و السخرية، و الجرأة، و الصورة الومضة، و التراكب، و التتابع، و التنكير في وسم الشخصيات...
6- قانون التطـور: 
فليست الومضة القصصية هى الجنس الأدبى الوحيد الذى أنتجه أو برع فيه, لكنه أنتج المقالات المقامية، و كتب توقيعات أدبية بعنوان (كلمة فى سرك ) و كتاب بعنوان (أسئلة ساذجة) منذ ثمانية أعوام... و كتب أشعارا عامية (رباعيات مجدى شلبى) و ديوان (من مذكرات زوج مخلوع)، و مقالات مقامية: كتاب (الرقص على سلم الصحافة) و كتاب (لهذا وجب التنبيه) و كتاب (كلام والسلام) و كتاب (زواج على صفيح ساخن)... و كتب مجموعات قصصية (حمرة خجل) و (غروب) و (المزلقان) و (أصل و 100 صورة)...
قانون العدد:
يدأب الأديب مجدى شلبى على وضع معايير صارمة فى مجموعته الأدبية على صفحات التواصل الاجتماعى (الرابطة العربية للومضة القصصية), منها ألا تزيد الومضة أو اللقطة القصصية عن ثمان مفردات, و لا يسامح أو يتجاوز بحق هذا المعيار معه أو مع غيره, و تتفق هذه الأضمومات في مجموعة من العناصر المتكررة، مثل: التكثيف، و المفارقة، و الإضمار، و الحذف، و التركيز، و انتقاء الأوصاف، و التنكير، و الاقتضاب، و فعلية الجملة، و استخدام الصورة الومضة بكل آلياتها البلاغية من رمز و استعارة و تشخيص و إيحاء و انزياح..  فمن تشخيصاته الرائعة بومضته:
ـ (شهرزاد: صاح الديك؛ ابتسمت الدجاجة.)
إننا فى مواجهة صورة رقيقة تمتزج فيها البسمة بالإعجاب من تلك المقدرة على التشخيص و الإنطاق, و تحويل الكائنات غير البشرية إلى شخوص تتحرك و تنطق بالحياة.
8 ـ قانون أفق الانتظار:
يتميز جنس الومضة القصصية لدى مجدى شلبى بتخييب أفق انتظار القارئ بخاصية الحجم القصير جدا، و استخدام قصصية حكائية مركزة و مقتضبة و موجزة، مع الإكثار من نقط الحذف، و تنويع الخواتم و علامات الترقيم، و إرباك المتلقي و إدهاشه، و تحويل المتن إلى أسئلة إشكالية صادمة و مستفزة و محيرة...  على سبيل المثال:
ـ (هجرة: جاع؛ شبعت الحيتان.)
ـ (مشاهد: أصابه العمى؛ هنأه المبصرون.)
لقد حافظ المبدع على القوانين الأخرى التى لا يتسع المجال لذكرها فى هذه الإطلالة السريعة كالمقارنة و المشابهة و التوصيف و المأسة والتنظيم و التصنيف و الاختلاف و التفاعل و التحول... إلخ، في ثوب قشيب, يجمع بين جماليات الفن و أدواته الراسخة الرصينة.
من المراجع
1- د.عبد الفتاح كليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1983م، ص:22.
2- د.سعيد يقطين: الكلام والخبر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1997م، ص:181.
3- د. محمد مفتاح: دينامية النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1987م،ص:43.
4- محمد خطابي: لسانيات النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1991م، ص:57-58
5- د.سعيد يقطين: الكلام والخبر، ص:181.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د. أمين الطويل: دكتوراه في الأدب العربي بمرتبة الشرف الأولى