الجمعة، 2 يونيو 2017

الجزء الثاني من من سيرتي الذاتية ( مشروع كتاب في مرحلة الإعداد )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء الثاني
من سيرتي الذاتية ( مشروع كتاب في مرحلة الإعداد )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أن تم نشر شهادتي ( نقوش على جدار الذاكرة ) في كتاب مؤتمر إقليم شرق الدلتا الثقافي رقم 16 (أبريل 2017)، أستعرض جوانبا أخرى من شهادتي فأقول:
الجزء الثاني
عندما نذكر اسم ( عزبة أبو حلاوة ) تقفز على الفور ذكريات أليمة، مرتبطة بحادثتي قتل ـ لأول مرة في التاريخ الحديث لـ( منية النصر ) ـ راح ضحية الحادثة الأولى عشرات الضحايا سواء كانوا من رواد ( مولد الشيخ سيد أبو حلاوة أوائل الستينات من القرن الماضي ) أو الذين تصادف مرورهم في محيط الحادث، أثناء إطلاق النار عليهم بطريقة عشوائية، من قبل بعض أفراد الشرطة، تنفيذا لأوامر ضابط النقطة وقتها، الذي قيل أنه تعرض للإهانة من قِبل أحد المواطنين؛ فأصدر أوامره بالضرب ( في المليان )...
و قد خيمت على ( القرية ) و القرى المجاورة حالة من الحزن الشديد؛ توقف على إثرها إقامة المولد لسنوات عديدة...
أما الحادثة الأخرى فكانت أوائل الستينات تقريبا حيث كنت وقتها تلميذا في الصف الرابع أو الخامس الابتدائي، في ( مدرسة منية النصر الابتدائية المشتركة )، و كان معلمنا في تلك الحصة الأستاذ/ فؤاد عبد المقصود، حين سمعنا فرقعات شديدة بالخارج، أعقبها ضجيج و صراخ؛ أسرع المعلمون لاستجلاء الأمر، مشددين على عدم خروج التلاميذ مطلقا، لخطورة الموقف في ( منطقة أبو حلاوة ) المتاخمة للمدرسة؛ فقد لقى أحد الملاك بتلك المنطقة مصرعه على يد مستأجر محل عنده، بعد مشادة كلامية استخدم خلالها المالك عبارات سب و قذف خادشة للحياء ضد المستأجر ( بحسب شهود الحادث )، فما كان من المستأجر إلا أن أخرج مسدسه و أردى المالك قتيلا...
ألقت تلك الحوادث بظلالها على طفولة تبدأ خطواتها الأولى على طريق الحياة؛ فإذا بالموت يحاصرها من كل اتجاه؛ موئدا الأمل في مستقبل أظلمه الرعب و الفزع؛ و تغشى بالخنوع و اليأس و الاستسلام... و قد زاد الطين بلة، و المعلول علة على علة؛ أن تلك البلدة المسالم أهلها ـ و الذين زادتهم تلك الحوادث ( مسالمة ) ـ كان من السهل وقوعهم ضحايا لعملية نصب كبرى، حيث استطاع بعض المحتالين استغلال تلك الحالة؛ فجاءوهم بعربات عليها أقفاص فارغة، زاعمين حرصهم على صحة المواطنين، خشية تفشي الأمراض بسبب عدوى البط و الأوز و الدجاج، و راحوا يجمعون الطيور من أسطح المنازل و يضعونها في تلك الأقفاص، موهمين أصحابها بالتعويض المادي عن طريق إيصالات، مدون بها أثمان تلك الطيور على نحو مبالغ فيه، إرضاء للمربين و المربيات!... ( و يبدو أن تكرار تلك الواقعة فيما عُرف بعد ذلك بعشرات الأعوام باسم "حملات الوقاية من انفلونزا الدجاج" يجعلنا أكثر اقتناعا بمقولة "التاريخ يعيد نفسه" مع بعض الاختلافات في الدوافع و الأسباب، و الأساليب و النتائج أيضا )...
رحل النصابون و برحيلهم انقطع صياح الديكة، و نقنقة الدجاج، و هديل الحمام، و عم القرية صمت رهيب، حدادا على رحيل أعزاء!... غير أن طبيعة المصريين غلبت عليهم فراحوا بعد وقت قصير يتندرون على ما حدث لهم، على طريقة ( شر البلية ما يُضحك )، الطريف في الأمر أن إحدى جاراتنا ظلت عشرة أعوام على أمل عودتهم ليسلموها أثمان طيورها، و عندما توفاها الله؛ لم تسلم سيرتها من ألسنة المتهكمات!.  
حينئذ اكتشفت بعض تناقضات البشر: بين مزاح النساء، و جدية الرجال، و تناقضات القدر: بين الموت و الحياة؛ ذلك هو المناخ الذي شكل حالة السخرية التي يمتزج فيها الألم بالأمل، و تلك لعمري هي الطبيعة التي اتسم بها المصريون بوجه عام ـ عندما تجدهم تنفيسا عن حالات الكبت و القهر ـ يتندرون بأوضاعهم و يسخرون من أنفسهم؛ فيضحكون ضحكا أشبه بالبكاء... هذا ( البكاء ) الذي كان ـ و ما زال ـ لغتي البليغة عند الحزن و عند الفرح على حدٍ سواء!.
و بالعودة لما سبق من أحداث شكلت علامات فارقة في ذاكرة طفولتي، يتجلى ذلك اليوم الذي هرعت فيه الأسر من بيوتهم متجهين صوب البحر، بعد أن شاع بينهم أن القيامة ستقوم اليوم، و من الأصوب الابتعاد عن البيوت خشية سقوطها عليهم عند الزلزلة ـ و كأنهم يفرون من الموت إلى الموت ـ!... الطريف هنا أن إحدى الجارات في طريقها إلى الشاطئ حاملة فوق رأسها ( حلة محشي ) و زوجها خلفها ممسكا بيده اليمنى ( قلة ماء ) و بيده اليسرى ابنته، و كأنهم ذاهبون لشم النسيم على طريقة أهل الريف، في الوقت الذي كان فيه رفيق عمري ( أعتذر عن عدم ذكر اسمه ) يصرخ في أمه التي تجذبه بعنف:
ـ أنا جوعان
ـ تحرك يا ولد بلا لكاعة
ـ ها موت من الجوع يا أمي
ـ كلنا سنموت، نأكل في الجنة بإذن الله!
الجدير بالذكر هنا أنني بعد عشرات الأعوام من تلك الشائعة، و بالتحديد يوم السبت 10 يوليو 1999 ( على طريقة التاريخ يعيد نفسه أيضا ) كتبت تقريرا صحفيا بعنوان ( هل تقوم القيامة يوم الأربعاء 11 أغسطس 1999؟! ) و قد نشرته لي جريدة ( أخبار الساعة ) على صفحة كاملة بعنوان مأخوذ من أول سطر من سطور تقريري ( تلسكوب "الساعة" يرصد أغرب صورة كونية )، و رغم أن التقرير كان يتحدث عن ظاهرة الكسوف التي توقعها خبراء الأرصاد، و كتب عنها الدكتور/ عبد القادر حمدو في مجلة العربي الكويتية، إلا أن العنوان المشوق الذي وضعته، حقق للجريدة أرقام توزيع غير مسبوقة!. ( و هو سبق له ما يبرره؛ فقد كان هذا التقرير هو أول تقرير على مستوى جميع الصحف المصرية يتحدث عن ظاهرة الكسوف المتوقعة تلك قبل حدوثها بشهر كامل ).
و بالعودة إلى مرحلة الطفولة التي يحن لها كل كبير، تمنيت أن يعود بي الزمن لأعيشها مرة أخرى، و أنا الذي تمنيت حينها أن أكبر، كما يقول عباس محمود العقاد:
 صغيرٌ يطلبُ الكِبرا *** وشـيخٌ ود لو صَغُرا
وخالٍ يشتهي عملا ً*** وذو عمـلٍ به ضَجِرا
ورب المال في تعب *** وفي تعب من افتقرا
وذو الأولاد مهمومٌ *** وطـالبهم قد انفطـرا
ومن فقد الجمال شكي *** وقد يشكو الذي بُهِرا
ويشـقى المرء منهزما *** ولا يرتـاح منتصـرا
ويبغـي المجـد في لهفٍ *** فإن يظـفر به فتـرا
شُكاةٌ مالها حَكَمٌ *** سوى الخصمين إن حضرا
فهل حاروا مع الأقدار *** أم هم حيروا القدرا؟
هذا التمرد البشري على الواقع، الذي عبر عنه العقاد؛ لم أستثني نفسي منه، فلقد لعنت تفوقي في الدراسة، الذي جعل المعلم يختارني رائدا على الفصل ( ألفا )، طالبا مني تدوين أسماء من تتعالى أصواتهم أثناء تغيبه؛ و لأني لم و لن أفعل هذا خشية عقاب زملائي؛ كان جزائي ـ كل مرة ـ الضرب المبرح من معلمي!... هذه واحدة، أما الثانية فهي اختياري حارسا للمرمى في مباراة كرة قدم بين المعلمين في فناء المدرسة أثناء ( الفسحة ) و تنطلق الكرة من أحدهم كالصاروخ لتصيبني في مقتل ـ لكن الله سلم ـ أما الأخيرة فقد ارتبطت بالتميز الفني، حيث كانت معلمتنا تنزع رسوماتي أولا بأول من كراسة الرسم؛ فأحرم متعة رؤية ما أبدعت، بحجة عرض تلك الرسومات في ( المعرض ) الذي لم أره قط!...
و يطيب لي هنا أن أذكر ـ بكل فخر و اعتزاز ـ أسماء بعض معلمينا في المرحلة الابتدائية، الذين كان لهم الفضل في تربية و تعليم أجيال من التلاميذ، الذين شبوا على احترام المعلم، و الاهتمام بالعلم و المعرفة، و الالتزام بالقيم و الأخلاق... قبل أن تطفو على السطح تلك الظواهر السلبية، التي أفسدت العملية التعليمية، و جعلتنا الآن نترحم على معلمينا الأفاضل في ذلك الزمن الجميل، منهم: أ/ فاروق عبدالنبي ـ أ/ محمد المنزلاوي ـ أ/ أحمد سماحة ـ أ/ إبراهيم العراقي ـ أ/ فؤاد عبدالمقصود ـ أ/ مصطفى عيسى ـ أ/ حلمي الششتاوي... و غيرهم ممن لم تسعفني بهم الذاكرة...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و لأن حياة الإنسان سلسلة متصلة الحلقات؛ تُعد كل خاتمة، مقدمة لحلقة أخرى، حيث يكون لقرار الإنسان، تبعات مستقبلية، لم تكن في الحسبان، و كأن هناك يدا خفية تدفعنا دفعا لتلك الخطوة، للوصول إلى نهاية حددها القدر مسبقا...
فمن تلبية نداء الوطن بأداء الخدمة العسكرية عام 1976 إلى رحلة السفر إلى العراق 1980 امتثالا لأبيات الحكمة للإمام الشافعي:
إِذا ما ضاقَ صدرُكَ من بلادٍ... ترحلْ طالباً أرضاً سِواها
ثم العودة و افتتاح ستديو تصوير  1982 أطلقت عليه اسم (أحلى الذكريات)

و تتواتر الحلقات، تمهيدا للاستقلالية عن الأسرة الكبيرة، و تكوين أسرة جديدة، و هو ما سيأتي ذكره في شهادات أخرى قادمة بإذن الله
( في الجزء الثالث )