الاثنين، 21 أبريل 2014

1ـ مفهوم التذكر عند فحول الشعراء العرب ـ بقلم/ مجدي شلبي

 ثنائية التذكر والنسيان من منظور شعري

1ـ مفهوم التذكر عند فحول الشعراء العرب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم/ مجدي شلبي (*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

       ضيف ندوتنا (الافتراضية) اليوم؛ هو شاعر فقد أبويه صغيرا؛ فشب في كنف خاله، الذي كان ضيق الرزق؛ فرحل عنه تاركا له رسالة كتب فيها:

ثقلت عليك مؤونتي *** إني أراها واهية

فافرح فإني ذاهب *** متوجه في داهية

ولأن (المعاناة تصنع الإبداع)؛ استطاع شاعرنا أن يسجل اسمه بحروف من نور في سجل فحول الشعر العربي؛ إنه شاعر النيل (حافظ إبراهيم)، الذي يتجه الآن (افتراضيا) نحو المنصة؛ منشدا:

أَمسَيتَ تُذكَرُ في الغابِرينَ *** وَإِن قَلَّ مِثلُكَ فيمَن غَبَر

إِذا ذُكِرَت سِيَرُ النابِهينَ *** فَسيرَةُ صَبري تَجُبُّ السِيَر

لَقَد كُنتَ بَرّاً بِظِلِّ الشَبابِ *** فَلَمّا تَقَلَّصَ كُنتَ الأَبَرّ

فَلَم تَستَبِق نَزوَةً في الصِبا *** وَلَم تَستَبِح هَفوَةً في الكِبَر

ـ فتبادر الشاعرة الخنساء برثاء شقيقها؛ قائلة:

يُؤَرِّقُني التَذَكُّرُ حينَ أُمسي *** فَأُصبِحُ قَد بُليتُ بِفَرطِ نُكسِ

عَلى صَخرٍ وَأَيُّ فَتىً كَصَخرٍ *** لِيَومِ كَريهَةٍ وَطِعانِ حِلسِ

وَما يَبكونَ مِثلَ أَخي وَلَكِن *** أُعَزّي النَفسَ عَنهُ بِالتَأَسّي

ـ فيقول الشاعر البرعي:

ألف التذكر مبدئا وَمعيدا *** أَملا لبعد الظاعنين بعيدا

رَحَلوا عشية فارَقوه بعقله *** وَقَضوا عليه بأن يموت شَهيدا

يسقى الغَرام بعبرة مسفوحة *** جعلت محاجر خده اخدودا

ـ فيضيف الشاعر البوصيري:

أمِنْ تَذَكُّرِ جِيران بِذِي سَلَمٍ *** مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

فما لِعَيْنَيْكَ إنْ قُلْتَ اكْفُفاهَمَتا *** وَما لِقَلْبِكَ إنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ

لولاَ الهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعَاً عَلَى طَلَلٍ *** ولا أَرِقْتَ لِذِكِرِ البَانِ والعَلَمِ

فكيفَ تُنْكِرُ حُبّاً بعدَ ما شَهِدَتْ *** بهِ عليكَ عدولُ الدَّمْعِ وَالسَّقَمِ

ـ فيقول الشاعر البرعي:

أَمن تذكر أَهل البان والبان *** أَم من تبدل جيران بجيران

جعلت دمعك وَقفا في محاجره *** يقبض في الخد هتانا بهتان

ـ فيضيف الشاعر جميل بثينة:

تَذَكَّرَ أُنساً مِن بُثَينَةَ ذا القَلبُ *** وَبَثنَةُ ذِكراها لِذي شَجَنٍ نَصبُ

أَلا أَيُّها النُوّامُ وَيَحكُمُ هُبّوا *** أُسائِلُكُم هَل يَقتِلُ الرَجُلَ الحُبُّ

ـ فيقول الشاعر أبو نواس:

ما كُلُّ مَن يَهوى هَوىً هُوَ صادِقٌ *** أَخو الحُبِّ نِضوٌ لا يَموتُ وَلا يَحيا

شَجاني وَأَبلاني تَذَكُّرُ مَن أَهوى *** وَأَلبَسَني ثَوباً مِنَ الضُرِّ وَالبَلوى

ـ فيضيف الشاعر إبراهيم بن هرمة:

كَأنّي مِن تَذَكُّرِ ما أُلاقي *** إِذا ما أَظلَمَ اللَيلُ البَهيمُ

سَليمٌ مَلَّ مِنهُ أَقرَبوهُ *** وَوَدَّعَهُ المُداوي وَالحَميمُ

ـ فيقول الشاعر عمر بن أبي ربيعة:

رَدَعَ الفُؤادَ تَذَكُّرُ الأَطرابِ *** وَصَبا إِلَيكِ وَلاتَ حينَ تَصابي

إِن تَبذُلي لي نائِلاً يُشفى بِهِ *** سَقَمُ الفُؤادِ فَقَد أَطَلتِ عَذابي

ـ فيضيف الشاعر البحتري:

تَذَكَّرَ مَحزوناً وَأَنّى لَهُ الذِكرى *** وَفاضَت بِغُزرِ الدَمعِ مُقلَتُهُ العَبرى

فُؤادٌ هُوَ الحَرّانُ مِن لاعِجِ الجَوى *** إِلى كَبِدٍ جَمٍّ تَباريحُها حَرّى

كَرىً حالَ سَكبُ الدَمعِ دونَ خِتامِهِ *** فَلا دَمعَةٌ تَرقا وَلا مُقلَةٌ تَكرى

ـ فيقول الشاعر ابن علوي الحداد:

اليوم قلبي تذَكَّر *** ما وَلَّى وَمَرّ

من عيشنا ذاك الَاُخضر *** مع باهي الغرر

سويجي الطرف الأحور *** معسول الدرر

ففيض دمعي تحدر *** يجري كالمطر

ـ فيضيف الشاعر ناصيف اليازجي:

تَذكَّرَ المُنْحَنَى فانْهَلَّ مَدمَعُهُ *** صَبابةً وانحَنَتْ للشَّوقِ أضلُعُهُ

وباتَ من وَلَهٍ يَرعَى النُجومَ فما *** دَرى أفي الأرضِ أم في الأُفقِ مَضجَعُهُ

وكُلَّما أطبَقَتْ للنَّومِ مُقلَتُهُ *** جَفناً بَعَثْتَ خيالاً منكَ يَقرَعُهُ

ـ فيقول الشاعر ابن الرومي:

تُذَكَّرُ بِي فَتُرجيني *** فتنساني مدى حِقَبِ

فأُذكِرُ تارةً أخرى *** بنفسي غيرَ مُتَّئبِ

فتأمُرُ أنْ يذكِّر بي *** جليساً منكَ في تعبِ

فيذكُرني فترجيني *** كأوَّل وَهْلةِ الطَّلبِ

فأحسبُ أنّ حظي منـ *** ـكَ دهري أن تُذكَّر بي

ـ فيضيف الشاعر إبراهيم ناجي:

قضيتَ العمر تذكر لي *** وأذكر في الهوى جرحك

فقم نسخر من الأَمَلِ *** ومن أعماقنا نضحك

أردنا الجاه والذهبا *** فلم يتلطَّف المولى

وهذا العمر قد ذهبا *** وأحسن ما به ولّى

ـ فيكمل الشاعر الملك الأمجد:

تذكَّرَ أيامَ الصَّبا فتألَّما *** وعصراً لِرَيْعانِ الشبابِ تَصَرَّما

ومدَّةَ لهوٍ قصَّرَتْها حبائبٌ *** سُقِيتُ بها خمرَ الرُّضابِ مُخَتَّما

فأجريتُ مِن عينيَّ دمعاً مُوَرَّدا *** فلم أدرِ ماءً ما تحدَّرَ أم دما

وأجَّجَ في قلبي الغرامُ لواعجاً *** مِنَ الشوقِ يبعثنَ الزفيرَ المضرَّما

ـ فيقول الشاعر د. عبدالرحمن العشماوي:

من أين ابتديء الحديث و ليلتي *** تأبى على عيني مقاربة الوسن

من أين, و الاشواق تحلف انها *** ستظل تسقيني التذكر و الشجن

من أين و الزمن السريع يمر بي *** وجبينه بدم الرحيل قد احتقن

فمن اللفافة حين نولد بدؤنا *** في رحلة العمر القصير إلى الكفن

ـ ويقول الشاعر حمد بن خليفة أبو شهاب:

تذكر عهد ماضيه فحن *** فؤاد فيك مفتون معنى

يحن لذكريات غاليات *** ولولا ذكرياتك ما تغنى

متى صفو الزمان يعود يوم *** فيخبركم بصدق الود عنا

وكيف أساءت الأيام فين *** وكيف تشفت الحساد منا

ـ فيضيف الشاعر عمر بن أبي ربيعة:

أَتَحذَرُ وَشكَ البَينِ أَم لَستَ تَحذَرُ *** وَذو الحَذَرِ النَحريرُ قَد يَتَفَكَّرُ

وَلَستَ مُوَقّىً إِن حَذِرتَ قَضِيَّةً *** وَلَيسَ مَعَ المِقدارِ يُكدي التَهَوُّرُ

تَذَكَّرتُ إِذ بانَ الخَليطُ زَمانَهُ *** وَقَد يُسقِمُ المَرءَ الصَحيحَ التَذَكُّرُ

ـ فيقول الشاعر زهير بن أبي سلمى:

هَل في تَذَكُّرِ أَيّامِ الصِبا فَنَدُ *** أَم هَل لِما فاتَ مِن أَيّامِهِ رِدَدُ

أَم هَل يُلامَنَّ باكٍ هاجَ عَبرَتَهُ *** بِالحِجرِ إِذ شَفَّهُ الوَجدُ الَّذي يَجِدُ

ـ فيتساءل علي بن أبي طالب؛ مستنكرا:

أَمِن تَذَكُّرِ دَهرٍ غَير مَأمونُ *** أَصبَحتَ مُكتَئِباً تَبكي كَمَحزونِ

ـ فيكمل الشاعر عمر الأنسي:

يا صاح لا تذكر زَماناً قَد مَضى *** رَغداً فَتَدعو العَيش أَن يَتنغَّصا

شيمُ الزَمان تَغيّر وَتَقلّب *** فَلَكم أَطاع لَنا الزَمان وَكَم عَصى

ـ فيقول الشاعر البحتري:

تَذكُرُ كَم لَيلَةٍ لَهَونا *** في ظِلِّها وَالزَمانُ نَضرُ

غابَ دُجاها وَأَيُّ لَيلٍ *** يَدجو عَلَينا وَأَنتَ بَدرُ

ـ فيضيف الشاعر أبو تمام:

صَدَفَت لُهَيّا قَلبِيَ المُستَهتِرِ *** فَبَقيتُ نَهبَ صَبابَةٍ وَتَذَكُّرِ

غابَت نُجومُ السَعدِ يَومَ فِراقِها *** وَأَساءَتِ الأَيّامُ فيها مَحضِري

في كُلِّ يَومٍ في فُؤادي وَقعَةٌ *** لِلشَوقِ إِلّا أَنَّها لَم تُذكَرِ

ـ فيقول الشاعر الأحوص الأنصاري:

إِنّي لآمُلُ أَن تَدنو وَإِن بَعُدَت *** والشّيءُ يؤمَلُ أَن يَدنو وَإِن بَعُدا

ـ فيضيف الشاعر ابن الخيمي:

شوقي إليكم مثل وجدي فيكم *** أبدا يزيد حضرتم أو غبتم

والقلب أصبى ما يكون لوصلكم *** والجسم أضنى والمدامع سجّم

ـ فيقول الشاعر محمود درويش:

كان الحنينُ إلى أشياء غامضةٍ

يَنْأَى ويَدْنُو،

فلا النسيانُ يُقْصِيني،

ولا التذكُّرُ يدنيني

من امرأة

إن مَسَّها قمرٌ

صاحَتْ: أَنا القَمَرُ

ـ فيقول الشاعر صالح الشرنوبي:

أطرقت في ضراعة تذكر اللـ *** ـه وفي صمتها يذوب النداء

ذات حسن جلت عن الحسن في الأر *** ض وودت لو قبلتها السماء

طفلة كالنسيم لطفا وكالظل *** على الزهر فاض منه الحياء

ـ فيضيف الشاعر الأبيوردي:

إذا التّذَكُّرُ أغرَتْني خَيالَتُها *** بهِ رَجَعْتُ إِلى الأشواقِ أدْراجي

غَرْثَى الوِشاحِ ومَلْوى قُلْبِها شَرِقٌ *** منْ مِعْصَمَيْ طَفْلَةٍ كالرّيمِ مِغْناجِ

فأرْعِ سَمعَكَ شِعراً يستَلِذُّ بهِ *** رَجْعُ الغِناءِ بأرْمالٍ وأهزاجِ

ومَنْ أزارَكَ للعَلْياءِ هِمَّتَهُ *** فلَيْسَ يَرضى بمُزْجاةٍ منَ الحاجِ

ـ فيكمل الشاعر ابن الرومي:

يأبى ليَ الضَّيْم فرْعيَ السامي *** إلى المعالي وأصْليَ النامي

إني إذا ما الصديقُ أكرمني *** ثُمَّ غدا يستردُّ إكرامي

جعلتُ من لذِّتي مُراغمتي *** إيِّاه حتى يملَّ إرغامي

وليس إلا بهجره أبداً *** والضنِّ عن بابه وإلمامي

ـ فيقول الشاعر عمر الأنسي:

خَليليَ لا تذكر أَخاك بِريبة *** فَإِنّ كَمال الذات بِاللَه مُختصُّ

فَيا ربّ عَيب في اِمرئٍ غَير ظاهر *** سِوى أَنَّهُ قَد راحَ يَذكره شَخصُ

فَلَمّا اِنتَهى مِن ذكر نَقص بِغَيره *** بَدا لَك فيهِ ظاهِراً ذَلك النَقصُ

ـ فيختتم الشاعر الشريف الرضي ندوتنا (الافتراضية)؛ منشدا:

تَساقَينا التَذَكُّرَ فَاِنثَنَينا *** كَأَنّا قَد تَساقَينا الطِلاءَ

وَعُجنا العيسَ توسِعُنا حَنيناً *** تُغَنّينا وَنوسِعُها بُكاءَ

إِلى كَم ذا التَرَدُّدِ في التَصابي *** وَفَجرُ الشَيبِ عِندي قَد أَضاءَ

فَيا مُبدي العُيوبِ سَقى سَواداً *** يَكونُ عَلى مَقابِحِها غِطاءَ

شَبابي إِن تَكُن أَحسَنتَ يَوماً *** فَقَد ظَلَمَ المَشيبُ وَقَد أَساءَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر

https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2020/09/23/533094.html