الجمعة، 23 يونيو 2017

قراءة نقدية حول (دموع و شموع) بقلم الناقد/ أحمد مجذوب الشريفي (*):

قراءة نقدية حول (دموع و شموع)
بقلم الناقد/ أحمد مجذوب الشريفي (*):
الأديب مجدى شلبى، غزير الإنتاج في الومضة القصصية، ليس استسهالا بها، فالومضة القصصية عنده مجرد طيف خيالى سريع يتفاعل معه مباشرة بالورقة و القلم، يحسن جيدا اقتناص اللحظة و اصطيادها و يحيلها بين يديه إلى فن قصصي جميل من كاتب مدرب يعرف هدفه قبل أن يكتب، و هذا يؤكد حبه لهذا الفن و عشقه له و انشغاله به و كثرة التفكير فيه مما يجعل الأفكار لا ينقطع سيلها عن  رأسه...
عندما تقرأ كقارئ عادى تجد مجرد تراكيب يصعب قراءتها و فهم مقاصدها و ما يرمى كاتبنا و هدفه من كتابتها، كما فى قصته "فداء" كنموذج:
(أصيبت الحمامة؛ منحها الليث قلبه)
إلا أنه يغوص بك من خلال رمزيته المحببة التى غلبت على معظم أعماله، بالتالى عندما تقرأ له بعين مدربة تقرأ عالما له دلالات سلوكية و أخلاقيه...
و فى ومضة قصصية أخرى من مجموعته يتعايش مع تسارع الأحداث و حالات المجتمع بكل فئاته يبدو ظاهرها معالجة و مواكبة لواقع سياسي و باطنها و ما خلف سطورها يقول بالتباين فى الحياة حتى التوأم يختلفان و إن خرجا من رحم واحد و تعايشا فى جسم واحد إلا أنهما خرجا فى لحظات مختلفة كما تشكلا كجنين أيضا فى زمن مختلف لهذا حدث الاختلاف بينهما و إن تشابها ظاهريا فما هو ظاهرا للعين لا يعني بالضرورة هو نفسه، فهناك اختلاف ما و هذا الاختلاف يولد حالات الانقسام، إذا حدوث هذا التباين و الاختلاف يجعل للحياة قيمتها فلنقرأ معه قصته "انقسام"
(انقسم إلى شقين: نصف مؤيد، و نصف معارض)
لهذا يقول الكاتب أن تعدد النماذج البشرية و تباينهم هو سر الحياة و هنا تناص رائع فالآية الكريمة تقول: (وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَن رّحِمَ رَبّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)  و على هذا و لاستمرار الحياة يرى الكاتب و ربطا مع قصته انقسام يكتب قصة أخرى تؤكد بالاستمرارية كما قصته "عبث"
(الشمس تفتح النافذة، الليل يغلقها)
فحالة الانقسام المجتمعى بين مؤيد و معارض، اختلاف و غيرها، يكون اليأس و الرجاء كسمة إنسانية و مشاعر لا تعرف مؤيد و معارض و عليها و بهما تدور الحياة، التي هي نفسها أى الحياة التي تدور فيها كل هذه الأحداث... فالمسافة الواقعة بين الأنا و الأنت إشارة واضحة للحياة و الموت و خلال هذا تدور رحى المعركة الإنسانية و من خلالها حتى فى الحرب لابد من المشاركة و هى قصة أخرى تتربط أيضا بمجموع القصص الأخرى رغم اختلافها الظاهر إلا أنها تشكل الإنسان بكل ما يحوى من تناقضات
(انقطعت الكهرباء؛ تهلل وجه الأعمى بشراً)...
إذا بربط بعض قصص هذه المجموعة (دموع و شموع) يمكننى أن أستخلص علو همة الكاتب و شعوره القوى بضرورة النهوض بالمجتمع صغيرا كان أم كبيرا كرسالة و محاربة ما هو ضار و تثبيت ما هو إيجابى...
و النماذج كثيرة متعددة تخلق ربطا جيدا و تجانسا ممتازا بين الومضات القصصية رغم أن الكاتب كما قلت سابقا غزير الإنتاج و كتبت كلها فى فترات زمنية مختلفة إلا أن ضمها فى هذه المجموعة (دموع و شموع) جعلها كتلة واحدة، جسم واحد، فشكلت بيئة ذات موضوع واحد أساسه الإنسان، حياته و موته و ما بينهما من جد و لعب، تناولها الكاتب فى قوالب متعددة بين السخرية الكريكاتورية التى تظهر في مفارقته التي يرسمها بعناية لتشكل لوحة إنسانية رائعة...
لهذا أرى أن العنوان جاء مناسبا جدا كعتبة أساسية عبرت بدقه عن مضمون و محتوى المجموعة القصصية التى أحسب أنها تعبير رائع لما يدور بن الحياة و الموت فالدموع نبدأ بها حياتنا كدموع فرح تنزل عندما نبشر بالمولود الذى تضاء شموع حياته أو تظلم عليه (شقي و سعيد) و تنتهي بالدموع كوداع و فراق...
اهتم الكاتب  فى هذه المجموعة بجانب يحسب له لأن هدفه الإنسان كعنصر أساسي (الأنسنة) لهذا أعطى نصوصه بُعدها النفسي لدى قارئه.
لقد حرص على انتقاء كلماته و عالجها باحتراف كاتب متمكن من فنه يعرف قيمة ما يكتب و لمن يكتب فخطابه موجه ببراعة إلى عقول مستنيرة و أخرى غير ذلك.
تميز بعمق الفكرة و اللغة الفنية العالية و الصياغة السردية الرائعة، مما يجعلني أقول أنه كاتب منضبط، يتقيد بقواعد الالتزام الأخلاقي أولا الذى جعل من قصصه نماذج رائعة.
ختاما:
من الصعب جدا الكتابة حول كل الومضات القصصية التي وردت في هذه المجموعة، إلا أن اجتهادى شمل رؤيتى التي من خلالها جعلت لباقى الومضات ربطا مع أخرى، و هذه ميزة نجح فيها الأديب مجدي شلبي فكانت مجموعته (دموع و شموع) بحق ومضات قصصية مميزة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أحمد مجذوب الشريفي: قاص و ناقد من (السودان)